فخر الدين الرازي

173

القضاء والقدر

« علي بن أبي طالب » مع « أم أيمن » في قصة « فدك » قال « أبو بكر » : لا بد من رجلين ، أو رجل وامرأتين . ولو كان قول الواحد يفيد العلم ، لوجب أن تكون شهادته كافية . الرابع : إن قول الأربعة لا يفيد العلم . فقول الواحد أولى أن لا يفيده . إنما قلنا : إن قول الأربعة لا يفيد العلم ، لأنه لو جعل العلم بخبر أربعة ، لكان لا يجوز ورود التعبد بقبول شهادتهم ، لا إذا زكاهم المزكي ، ما لم يحصل العلم بصدقهم . لأن من المعلوم أن الحاكم إذا شهد عنده أربعة . بأن فلانا زنا بفلانة ، ولم يعلم الحاكم صدقهم . فإنه لا يرد شهادتهم ، بل يرجع في ذلك إلى المزكي . فإن حصلت التزكية قبل شهادتهم ، وإن حصل الجرح ردّها . ولو كان العلم يحصل بشهادتهم ، لكان يستغني عن الجرح والتعديل . فلما علمنا وجوب الرجوع إلى المزكي ، مع فقد العلم بما شهدوا ، علمنا أن خبر الأربعة لا يفيد العلم . فثبت بهذه الوجوه الأربعة : أن خبر الواحد ، لا يفيد إلا الظن ، فوجب أن لا يجوز التمسك به في المسائل القطعية . الحجة الثانية على أنه لا يجوز التمسك بأخبار الآحاد في اليقينيات : أن نقول : أشرف طبقات الرواة : طبقة الصحابة ، ثم إن رواياتهم لا تفيد اليقين . أما في حق الصحابة . فيدل عليه وجوه : الأول : إن أظهر الأمور وأجلاها : أمر الأذان والإقامة . وذلك لأنه - عليه السلام - واظب عليهما مدة عشرة سنين ، أو أكثر أو أقل . والكل كانوا يشاهدونه ، في كل يوم خمس مرات . والخلفاء الراشدون واظبوا عليها مدة ثلاثين سنة مع الجمع العظيم . ثم إن الرواة ما ضبطوا أحوال الأذان ، ولا أحوال الإقامة . أما أحوال الأذان . فهو أن الترجيع « 1 » هل هو معتبر في الأذان أم لا ؟ وأما الإقامة . فإنها هي فرادى أو مثناة ؟ وليس لقائل أن يقول : لعلها كانت مرة فرادى ، ومرة مثناة . لأنا نقول : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن ينقل الراوي أنها كانت مرة فرادى ، ومرة مثناة ، فلما عجزوا عن ضبط هذا القدر مع أن الكل شاهدوا هذه المدة الطويلة ، فكيف يبقى الوثوق برواياتهم في المسائل الدقيقة ، وفي المباحث الغامضة . مع أنهم - بزعمهم - ما سمعوها إلّا مرة واحدة ؟ . ومن ذلك ما روي أنه - عليه السلام - أفرد الحج ، أو قارن ، أو تمتع « 2 » . مع أن الحج :

--> ( 1 ) الترجيع في الأذان : هو أن يخفض صوته بالشهادتين ثم يرفعه بهما وقد روى حديث الترجيع مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان ورواه أيضا الشافعي . وقد رجحه البعض لكونه متأخرا ومشتمل على الزيادة المقبولة . أنظر نيل الأوطار 2 / 15 - 26 ؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر 1 / 112 ؛ تلخيص الحبير له أيضا 1 / 200 . وجامع الأصول لابن الأثير 5 / 280 . ( 2 ) روى مسلم ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفرد الحج . وكذا رواه مسلم والترمذي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما . وأما القران فقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك رضي اللّه عنهما . والتمتع رواه البخاري ومسلم والنسائي عن عمران بن حصين والنسائي -